السيد محمد حسين الطهراني
254
معرفة الإمام
فصعد الإمام الحسن عليه السلام المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة ، وصلى على النبيّ صلى الله عليه وآله صلاة موجزة ، ثمّ قال : أيُّهَا النَّاسُ ! سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَقُولُ : أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيّ بَابُهَا ، وَهَلْ تُدْخَلُ المَدِينَةُ إلَّا مِنْ بَابِهَا ! قال هذا ، ثمّ نزل فوثب إليه عليّ عليه السلام فحمله وضمّه إلى صدره . ثمّ قال للحسين عليه السلام : يا نور عيني ! اصعد المنبر وتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون : إنّ الحسين بن عليّ لا يبصر شيئاً ، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك . فصعد الإمام الحسين عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وآله صلاة موجزة ، ثمّ قال : مَعَاشِرَ النَّاسِ ! سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهُوَ يَقُولُ : إنَّ عَلِيَّاً هُوَ مَدِيَنةُ هُدَى ، فَمَنْ دَخَلَهَا نَجَا ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ . فوثب إليه عليّ عليه السلام ، فضمّه إلى صدره وقبّله ، ثمّ قال : مَعَاشِرَ النَّاسِ ! اشْهَدُوا أنَّهُمَا فَرْخَا رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَوَدِيعَتُهُ التي اسْتَوْدَعَنِيهَا وَأنَا أسْتَوْدِعُكُمُوهَا مَعَاشِرَ النَّاسِ ، وَرَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ سَائِلُكُمْ عَنْهُمَا . « 1 »
--> ( 1 ) - « التوحيد » للشيخ الصدوق ، ص 304 ، إلى 308 ، طبعة مكتبة الصدوق ، سنة 1398 ه - ، الحديث الأوّل من الباب 43 ؛ ورواها الصدوق أيضاً في « الأمالي » ص 205 إلى 208 بثلاثة أسناد عن أحمد بن الحسن القطّان ، وعن عليّ بن أحمد بن موسى الدقّاق ، وعن محمّد بن أحمد السنانيّ ، وهؤلاء الثلاثة عن أبي العبّاس أحمد بن يحيي بن زكريّا القطّان ، عن محمّد بن العبّاس ، عن محمّد بن أبي السريّ ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن سعد بن طريف الكنانيّ ، عن الأصبغ بن نُباتة ( المجلس الخامس والخمسون ، يوم الجمعة الرابع من ربيع الآخر ، سنة ثلاثمائة وثماني وستّين ) ، وذكر ذيلها المتعلّق بالحسنين عليهما السلام وصعودهما المنبر . ورواها السيّد هاشم البحرانيّ في « غاية المرام » القسم الثاني ، ص 521 ، الحديث الأوّل عن الخاصّة ، عن ابن بابويه في « الأمالي » بالأسناد الثلاثة المذكورة . ولمّا كان الكلام يدور حول الحديث النبويّ الشريف : أنَا مَدينةُ العِلْمِ وَعليّ بَابُهَا ، لذلك قطّع الرواية المشار إليها ، ولكنّه رواها تامّة في ص 524 و 525 ، الحديث الأوّل عن الخاصّة ، إذ كان الكلام يدور حول الحديث : سَلُوني . . . . أقول : إنّ ما يبدو لي هو أنّ صدر هذه الرواية ، المتعلّق بخطبة أمير المؤمنين عليه السلام ، وذيلها المرتبط بأمره الحسنين عليهما السلام بصعود المنبر روايتان منفصلتان ، وقد دمجهما أحد الرواة وجعل منها رواية واحدة سهواً . والدليل على ذلك أنّ صدر الرواية صريح بأنّ الإمام عليه السلام خطب خطبته المذكورة عندما بويع بالخلافة ، وكان ذلك في سنة خمس وثلاثين للهجرة ، والإمام الحسن عليه السلام يومئذٍ ابن ثلاث وثلاثين سنة ، والإمام الحسين عليه السلام ابن اثنتين وثلاثين سنة . وأنّ العبارة الواردة في ذيل الرواية - إذ أمرهما الإمام عليه السلام بالتكلّم لئلّا تجهلهما قريش بعده - غير مناسبة ، ذلك أنّ قريش عرفتهما كما ينبغي خلال بضع وثلاثين سنة . ثانياً : أنّ قول الإمام عليه السلام للحسن عليه السلام : « أواري نفسي عنك وأسمع وأرى وأنت لا تراني » لا يليق بشأن رجل عظيم مثله ، بل يليق برجل يرغّب طفلًا له في الخطبة . ثالثاً : أنّ الكلمتين الموجزتين للحسنين عليهما السلام - وفي كلّ منهما حديث نبويّ قصير - دليل آخر على ما نقول . رابعاً : جاء في الرواية أنّ الإمام الحسن عليه السلام لمّا نزل من المنبر حَمَلَهُ ( الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ) وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ ، وهذا صريح بأنّه فعل ذلك مع طفل صغير . وعلى هذا ينبغي أن نقول : إنّ ذيل الرواية يُشعر أنّ خطبة أمير المؤمنين عليه السلام كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وانتقال الإمامة إليه ، وكان للحسن عليه السلام يومئذٍ ثماني سنين وللحسين عليه السلام سبع سنين . ولمّا خطب أمير المؤمنين عليه السلام آنذاك لبيان فضائله ، أمر الحسنين عليهما السلام بذلك . وخَالَ الراوي أنّهما خطبة واحدة فذكرهما معاً .